الدكتور أحمد الشلبي

48

مقارنة الأديان ، الإسلام

مطلع الفجر قبيل مولد محمد كان ليل البشرية قد طال ، وكان الجنس البشري قد مر بألوان من التجارب والخبرات أوقفته حائرا أمام كثير من مشكلات الحياة ومشكلات ما بعد الحياة ، ولكنها في الوقت نفسه هيأته ليتلقى رسالة تنظم له هذه الشؤون وتعالج له ما بدا من مشكلات ، ووقفت الإنسانية ترقب مطلع الفجر ، وأخذت تقلب وجهها ذات اليمين وذات الشمال ، باحثة عن الأمل الذي يقود الإنسانية إلى الهدى ، وباحثة عن شعاع الضوء الذي يزيل طبقات الظلام المتراكم . وانبثق الفجر من هناك ، من مكة ، المدينة المقدسة التي تربض في منتصف الطريق الواصل بين شمالي الجزيرة العربية وجنوبيها تقريبا ، ولم يكن أحد يعرف حينما ولد محمد أن هذا الوليد اليتيم سيكون ذلك الأمل الذي ترقبه الملايين ، والذي سيهدي البشرية إلى سواء السبيل . وولد محمد في ضوء التاريخ ، لا شكوك حول أسرته ، ولا غموض حول تاريخ مولده ، ولا ظلام حول نشأته ، ولا تردد حول بعثته ومبادئه ، وإنما هي وضوح كلها ، ويقين كلها ، يؤمن به من يشاء ، ويكفر به من يشاء ، ولكنه على كل حال كفران ناشئ عن التحدي أو العصبية ، أو سبب مماثل من الأسباب ، وليس ناشئا عن الجهل أو الغموص . ويقول غوستاف لوبون ( 1 ) عن حياة محمد ووضوحها : إذا استثنينا محمدا لم نجدنا مطلعين على حياة مؤسس ديانة اطلاعا صحيحا . تعال بنا نقص طرفا من سيرة محمد نستقصيها مما كتبناه عنه بتفصيل وإطناب في المظان التاريخية المخصصة لذلك ( 2 ) .

--> ( 1 ) حضارة الهند ص 344 . ( 2 ) اقرأ الجزء الأول من " موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية " للمؤلف .